الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

183

شرح ديوان ابن الفارض

رأيت في ديوان المتنبي : فشغلت عن رد السلا * م فكان شغلي عنك بك وفي البيت الطباق في الفراغ والشغل ، والمناسبة بذكر التفريغ والخلو . و « بها » متعلق بشغلي و « معها » متعلق بأخلو . و « مخلصا » حال من تاء فرغت . والمراد أخلو في شغلي بها عنها . ( ن ) : المعنى أن تفريغ قلبي عن وجودي بحيث يبقى وجودي كله له وأبقى أنا فرضه ، وتقديره من غير وجود لي لعلي بسبب ذلك أصير في خلوة مع المحبوبة المذكورة ، وخص قلبه بالتفريغ عن وجوده لأنه الأصل في نسبة الوجود إليه . ومن أجلها أسعى لمن بيننا سعى وأعدو ولا أغدو لمن دأبه العذل [ الاعراب والمعنى ] « أسعى » الأول بمعنى أمشي وأقصد وأذهب . والثاني بمعنى سعى في الصلح يريد أنني أسعى قاصدا لمن سعى بيني وبينها في الملاطفة بدليل قوله وأعدو ، وهو معطوف على أسعى الأول ، أي أسعى إلى الساعي بيننا بالوداد ، وأعدو إليه من العدو بالعين المهملة ، وهو شدة السير ، وقوله « ولا أغدو » بالغين المعجمة والدال المهملة أي ولا أذهب لمن دأبه أي لرجل عادته ودأبه العذل بالعين المهملة والذال المعجمة ، لأن العاذل في المحبة يعنف المحب عليها ويلومه على الاتصاف بها . « ومن أجلها » متعلق بأسعى الأول . و « بيننا » متعلق بسعى الثاني . « وأعدو » معطوف على أسعى الأوّل . و « دأبه » مبتدأ . و « العذل » خبره . والجملة صلة من . والغالب في غدا أنه يتعدى بإلى ، فاللام حينئذ قائمة مقام إلى . وفي البيت الجناس الناقص في أسعى وسعى ، والمصحف في أعدو وأغدو . ( ن ) : قوله ومن أجلها ، أي المحبوبة المذكورة . وقوله أسعى ، أي أقصد عمل الخير والنفع والطاعة . وقوله لمن بيننا سعى ، أي لمن مشى بيني وبين المحبوبة المذكورة بالصلح وقصد الخير والنفع كالأنبياء عليهم السلام ، فإنهم ساعون لتأليف القلوب النافرة عن اللّه تعالى لتجتمع عليه ، كذلك ورثتهم من الأولياء المحققين . وقوله وأعدو بالمهملة أي وامتثل أوامرهم ، وأجتنب نواهيهم بشدة عزم وهمة صادقة ، وأما اللائم المعنف فلا أغدو ولا أسرع إلى قبول كلامه . ويمكن أن يكون قوله لمن بيننا سعى ، يعني بالإفساد والفتنة ، وهو الشيطان المقارن له الذي شأنه دائما الوسوسة وتهوين المعاصي لإيقاع العداوة بين الإنسان وربه ، وكونه يسعى إليه ويعدو لعلمه بالحفظ له والصيانة منه من جهة الحق تعالى وعدم غدوه وميله إلى اللائمين له لأنهم